نخبة من الأكاديميين

325

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

بمساندة أي طرف أوروبي حتى أكثرها عداوة وتربصًا بالدولة العثمانية في هذه المرحلة ، فلقد أضحى المتغير الأوروبي حاسمًا في تأثيراته السلبية على العلاقات المصرية - العثمانية خاصة في ظل اتجاه كل من الطرفين المسلميْن للاستقواء على الآخر باللجوء إلى مساندة طرف غير مسلم . ومن ثم فإن إشكالية السلوك الخارجي لمحمد علي تمثلت في أن استقلال القوة ( كسبيل لتحسين شروط التعامل مع السلطة المركزية العثمانية وعدم تأكيد سيطرة دولة أوروبية واحدة ) قاد إلى تحالف واتفاق الدول الأوروبية مع الدولة العثمانية ضده بدلًا من دفع السلطة المركزية لتحسين شروط التعامل معه ( وستتضح مزيد من التفاصيل على ضوء تحليل الجزئية التالية ) . ولم يكن مرجع هذا الاتفاق تأثير التوازنات الأوروبية - الأوروبية فقط بل أيضاً الاتفاق الأوروبي على إجهاض أي حركة إحياء للقوة الإسلامية من ناحية ، وتمسك الدولة العثمانية ببقائها ولو ضعيفة بأي ثمن من ناحية أخرى . ولذا فلا يكفي القول كما يصدر عن البعض - إن الخطأ الأساسي لمحمد علي تمثل في عدم فهمه لحقيقة تبعية النظام الإمبراطوري العثماني للنظام الأوروبي الدولي ، أو في أن نمط توزيع القوة والتغير الدوليين لم يسمحا لمحمد علي بتحسين شروط مكانة مصر ، أو أن القضية بالنسبة لمصر ليست البروز بوضع قوة عالمية بل تفادي آثار تقسيم الإمبراطورية بواسطة الدول الأوروبية ، ولكن يجب القول : إنه أخطأ في فهم أن التحالف مع أوروبا كان ممكنًا طالما لا يتناقض ومصالحها الكلية في مواجهتها مع الإسلام ، وأن آثار هذا التحالف تتحول للنقيض في الحالة العكسية . ب - حركات الاستقلال بين السياسات العثمانية وأنماط التدخل الأوروبي . كانت نتائج الحركات الاستقلالية وعواقبها بالنسبة للعلاقات العثمانية - العربية محصلة للتفاعل بين دوافع وأهداف وأدوات هذه الحركات من ناحية وبين السياسات العثمانية ونمط التدخل الأوروبي من ناحية أخرى ، على نحو يبرز مدى تأثير الضعف العثماني وتأثير قوة المتغير الأوروبي على منع إحياء القوة الإسلامية . إن المتابعة التفصيلية لهذه السياسة في إطار الحركات الثلاث موضع الاهتمام يبين لنا بصفة عامة أن السياسة العثمانية نجحت بواسطة عدة أدوات - على رأسها التحالف مع قوى أوروبية ضد أهم هذه الحركات - في إجهاض هذه الحركات ومن ثم حافظت على وحدة وتكامل قلب إمبراطوريتها ، حيث تمكنت عند منتصف القرن التاسع عشر م وبعد نصف قرن من التحديات الخطيرة - من إعادة إدماج أقاليمه ( مصر - الشام - العراق - الجزيرة ) ولم يتم الأمر من دون ثمن غال دفع من مصلحة الأمة الآجلة لتحقيق مصالح الدولة العثمانية العاجلة ، وهنا « 1 » معنى الدرس الذي يكمل معنى الدرس المستخلص من دراستنا للسياسات الإصلاحية وهو أن ثمن تجديد عناصر قوة الدولة المادية يجب ألا يدفع من حساب قوة الهوية الإسلامية للمجتمع ومصالح الأمة بأكملها وإلا أصبح مردود هذا التجديد سلبيًا في الأجل الطويل . هذا ويمكن أن نقسم أهم أنماط السياسة العثمانية إلى : نمط العلاقة مع الحركة قبل توجيه الضربة إليها ، ونمط التوالي في إجهاض الحركات .

--> ( 1 ) د . أحمد عبد الرحيم مصطفى : " العرب في ظل الرابطة العثمانية في : صفي الدين أبو العز ( إشراف ) : العلاقات العربية التركية ، منشورات معهد البحوث والدراسات العربية ، القاهرة 1991 ، ص ص 133 - 139 . وانظر تفاصيل مناقشة مدى صحة اتهام الدولة العثمانية لمسؤوليتها عن عزلة العالم الإسلامي في : - د . عبد العزيز الشناوي : مرجع سابق ، ج 2 ، ص ص 700 - 728 .